حسن بن عبد الله السيرافي

8

شرح كتاب سيبويه

لأنه جملة في موضع الخبر ، فلم اختير النصب في : " إنا كلّ شيء خلقناه " وكلام اللّه تعالى أولى بالاختيار ؟ فالجواب أن في النصب هاهنا دلالة على معنى لا يوجد ذلك المعنى في حالة الرفع ؛ وذلك أنك إذا قلت : " إنا كلّ شيء خلقناه بقدر " ، فتقديره : إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر ، فهو يوجب العموم ؛ لأنه إذا قال : إنا خلقنا كلّ شيء فقد عمّ ، وإذا رفع فقال : كلّ شيء خلقناه بقدر ، فليس فيه عموم ؛ لأنه يجوز أن نجعل " خلقناه " نعتا لشيء ، ويكون " بقدر " خبرا لكل ، ولا تكون فيه دلالة لفظه على خلق الأشياء كلها ، بل تكون فيه دلالة على أن ما خلق منها خلقه بقدر ، ومثل هذا في الكلام " كلّ نحوي أكرمته في الدار " فقد أوجبت أنه ما بقي أحد من النحويين إلا وقد أكرمته ؛ لأن تقديره : أكرمت كلّ نحوي أكرمته في الدار ، وإذا قلت : " كلّ نحوي أكرمته في الدار " ، وجعلت " أكرمته " نعتا لنحوي ، فمعناه كل من أكرمته من النحويين فهو حاصل في الدار ، ويجوز أن يكون في النحويين من لم تكرمه في الدار . قال : وقد قرأ بعضهم : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ " 1 " . والاختيار الرفع وهو الأكثر في القراءة ، ونصبه على إضمار فعل ، كأنه قال : وأما ثمود فهدينا فهديناهم يعني قراءة من قرأ : إنا كلّ شيء خلقناه ، وإن كان الاختيار الرفع لقراءة من قرأ " وأما ثمود فهديناهم " والاختيار الرفع لأن " أمّا " من حروف الابتداء ، وقد بينا ما في ذلك . قال : ( وتقول : " كنت عبد للّه لقيته " لأنه ليس من الحروف التي ينصب ما بعدها كحروف الاستفهام وحروف الجزاء وما شبه بها ) . يعني " كنت " ليس مثل هذه الحروف التي يختار النصب فيما بعدها كحروف الاستفهام ، وحروف الجزاء ، وما شبه بها من الأمر ، وحروف النفي ، وليس بفعل ذكرته ليعمل في شيء فينصبه أو يرفعه ، ثم تضم إلى الكلام الأول الاسم ، يعني أن " كنت " ليست بجملة مبنية على فعل عطفت عليها جملة أخرى كقولك : " ضربت زيدا وعمرا كلمته " ، فوجب أن يكون الاختيار الرفع فيما كان في موضع الخبر على ما وصفنا . وتكلم بكلام طويل لم يخرج عن الجملة التي عندنا ، فأرى أن الجملة التي تقع في

--> ( 1 ) سورة فصلت ، آية : 17 .